السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
27
مختصر الميزان في تفسير القرآن
تخشوهم فيه لولا يأسهم وهو الدين ونزعه من أيديكم ، وهذا نوع تهديد للمسلمين كما هو ظاهر ، ولهذا لم نحمل الآية على الامتنان . ويؤيد ما ذكرنا ان الخشية من اللّه سبحانه واجب على أي تقدير من غير أن يتعلق بوضع دون وضع ، وشرط دون شرط ، فلا وجه للإضراب من قوله : « فَلا تَخْشَوْهُمْ » إلى قوله : « وَاخْشَوْنِ » لولا أنها خشية خاصة في مورد خاص . ولا تقاس الآية بقوله تعالى : فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( آل عمران / 175 ) لأن الامر بالخوف من اللّه في تلك الآية مشروط بالإيمان ، والخطاب مولوي ، ومفاده انه لا يجوز للمؤمنين ان يخافوا الكفار على أنفسهم بل يجب ان يخافوا اللّه سبحانه وحده . فالآية تنهاهم عما ليس لهم بحق وهو الخوف منهم على أنفسهم سواء أمروا بالخوف من اللّه أم لا ، ولذلك يعلل ثانيا الامر بالخوف من اللّه بقيد مشعر بالتعليل ، وهو قوله : « إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » وهذا بخلاف قوله : « فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ » فإن خشيتهم هذه خشية منهم على دينهم ، وليست بمبغوضة للّه سبحانه لرجوعها إلى ابتغاء مرضاته بالحقيقة ، بل إنما النهي عنها لكون السبب الداعي إليها - وهو عدم يأس الكفار منه - قد ارتفع وسقط أثره فالنهي عنه إرشادي ، فكذا الامر بخشية اللّه نفسه ، ومفاد الكلام ان من الواجب أن تخشوا في امر الدين ، لكن سبب الخشية كان إلى اليوم مع الكفار فكنتم تخشونهم لرجائهم في دينكم وقد يئسوا اليوم وانتقل السبب إلى ما عند اللّه فاخشوه وحده . فافهم ذلك . فالآية لمكان قوله : « فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ » لا تخلو عن تهديد وتحذير ، لأن فيه أمرا بخشية خاصة دون الخشية العامة التي تجب على المؤمن على كل تقدير وفي جميع الأحوال ، فلننظر في خصوصية هذه الخشية ، وأنه ما هو السبب الموجب لوجوبها والامر بها ؟ . لا إشكال في أن الفقرتين أعني قوله : « الْيَوْمَ يَئِسَ » ، وقوله : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي » ، في الآية مرتبطتان مسوقتان لغرض واحد ، وقد تقدم بيانه ، فالدين